...

أيتام غزة: كيف أودت الحرب بأحلام الطفولة وهددت مستقبل الأجيال القادمة

معاناة الأيتام في غزة: فقدان الأمن الطفولي

واقع مؤلم للأطفال في غزة

يستيقظ عشرات الآلاف من الأطفال في غزة اليوم دون صوت أحد الوالدين يناديهم. ليس بسبب المرض أو الحوادث، بل بسبب الحرب الإسرائيلية على القطاع الفلسطيني التي أزالت الأشخاص الذين كانوا يشعرونهم بالأمان. وفقًا للمكتب المركزي للإحصاء الفلسطيني، فقد فقد أكثر من 39,000 طفل في غزة أحد أو كلا والديهم منذ مارس الماضي، بما في ذلك 17,000 يتيم بالكامل. تمثل هذه الأرقام واحدة من أكبر أزمات اليتم في التاريخ الحديث، وتتعامل مع واقع مؤلم للأطفال الذين تكاد تُمحى طفولتهم.

تأثير فقدان الأهل على الأطفال

لدى الأطفال، الأهل ليسوا مجرد مقدمي رعاية، بل هم الوعد الأول بالأمان. يمثل وجود الأم أو الأب صوتًا مألوفًا، وروتينًا متوقعًا، ويدًا تُمسك في الظلام.يتعلم الطفل أن الخوف يمكن أن يزول، والجوع يمكن أن يُهدأ، وأن الخطر له حدود. عندما يُنتزع هذا الرابط بشكل عنيف، يتحول واقع الطفل تمامًا. يصبح العالم غير مستقر والثقة هشة، وتصبح السلامة مجرد ذكرى.

أنماط فقدان الأهل

يحدث فقدان مقدم الرعاية في غزة على نطاق واسع، وليس فقط من خلال الموت، بل أيضًا من خلال الإصابات الشديدة، أو الاعتقال، أو الاختفاء القسري، أو الانفصال في حالة الفوضى المستمرة. بعض الأطفال يُنتشلون من تحت الأنقاض، ليكتشفوا أنهم لا يملكون أحدًا يناديهم “لي”. في حالات أخرى، قد يكون أحد الوالدين على قيد الحياة، لكنهم مصابون بشدة أو مُعذّبون نفسيًا، مما يترك الطفل بلا حماية حقيقية.

التأثيرات الفورية على الأطفال الصغار

بالنسبة للأطفال الأصغر سنًا، تكون العواقب فورية ومؤلمة. العديد منهم يصبحون غير قادرين على التصرف، يبكون لساعات، ويتمسكون بأي بالغ قريب، ويشعرون بالذعر عندما يغادر أحد مقدمي الرعاية. بل إن البعض قد يفقد الكلمات التي كانوا يعرفونها، أو يبدأون في التبول الليلي مرة أخرى. البعض الآخر يتجه إلى الصمت، وكأنهم يتوقفون عن التفاعل كوسيلة للبقاء.

عبء المسؤولية على الأطفال الأكبر سنًا

بالنسبة للأطفال الأكبر سنًا، خاصة أولئك الذين يدخلون مرحلة المراهقة، تأخذ الأضرار شكلًا مختلفًا؛ حيث يتحولون إلى بالغين بين عشية وضحاها. عندما يُقتل والد، يُعتقل أو يتعرض لإصابة شديدة، غالبًا ما يرث الطفل دور المعيل، والحامي، وصانع القرار. لا تبني هذه التغييرات قدرة التحمل، بل تسرق النمو، وتعلم الكبت العاطفي كوسيلة للبقاء.

قصص شخصية مؤلمة

قصص الأطفال في غزة تتجلى في كل زاوية. رأيت مرة فتاة تبلغ من العمر 11 عامًا تعيش في مأوى للنازحين وسط غزة. تُوفي والدها في غارة جوية، وبدأت هي ووالدتها في صناعة المخبوزات على نار خشبية باستخدام ما توافر لهما. كانت تتجول يومياً بين الملاجئ المكتظة، متجاوزة الأنقاض، محاوِلةً بيع ما صنعته لمساعدة والدتها وأشقائها. عند الحديث معها، لم تتحدث عن الحزن، بل عن ما يجب القيام به.

في حالة أخرى، كان هناك صبي في السابعة من عمره فقد والده، ولم يفارق والدته منذ ذلك الحين. كان يشعر بالذعر إذا تركته حتى لحظة قصيرة. وعندما سُئل عن ما يريده أكثر، أجاب ببساطة: “أريد والدي”.

آثار طويلة الأمد

لا تنتهي العواقب النفسية طويلة المدى مع وقف إطلاق النار. الأطفال الذين فقدوا مقدمي الرعاية بهذا الشكل يحملون جروحًا تؤثر على كيفية ارتباطهم بالآخرين، وكيف يثقون، وكيف يتصورون مستقبلهم، وكيف يفهمون قيمتهم الذاتية. في غزة اليوم، ينمو الآلاف من الأطفال ليس فقط دون والدين، بل دون الإيمان الأساسي بأن العالم يمكن أن يكون آمنًا مرة أخرى.

Scroll to Top
Seraphinite AcceleratorOptimized by Seraphinite Accelerator
Turns on site high speed to be attractive for people and search engines.